_
شراكة اقتصادية بلا حدود...  خطوة نحو إفشال الدولة

شراكة اقتصادية بلا حدود... خطوة نحو إفشال الدولة

لا تنفك وجوه الحكومة عن القول والتكرار حول أهمية الشراكة مع القطاع الخاص... هذه العبارة حمّالة الأوجه، والتي يُقصد بها تحديداً في المرحلة الحالية الشراكة في إدارة مهمات جهاز الدولة... شراكة جرّبها العالم، والسوريون، وهنالك من يريد أن ينقلها إلى عتبة جديدة بالاستفادة من الأزمات، عتبة قد تُعمّق غوصنا نحو (الدولة الفاشلة).
تتحول اللحظة الحالية، لاشتداد العقوبات والمعركة الاقتصادية، إلى فرصة ذهبية لما يبيته غُلاة الليبرالية الاقتصادية السوريون. هؤلاء الذين يريدون استثمار اللحظة السياسية، لنقل نفوذهم المالي من الاستفادة من مهام جهاز الدولة لتحقيق ربح، إلى استلام هذه المهام ونقلها للسوق.

شراكة بلا حدود: وقائع وأحداث

دخلت سورية عالم الشراكة الاقتصادية مبكراً ولكن بالتدريج، إلّا أن النية بالتوغّل به اليوم، تأتي في اللحظة الدولية التي يرجع فيها مجربو الشراكة عن أفعالهم: (يمكن مراجعة مقال «الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص: فرنسا تصدّر لنا بضاعتها الفاسدة» في جريدة الأخبار حول حالات فكّ الشراكة مع القطاع الخاص في أوروبا)
الشراكة مع القطاع الخاص في سورية ليست طرحاً جديداً، فمنذ أزمة الثمانينات بدأ الأمر في قطاع النفط والغاز مع الشركات الغربية التي كانت تحصل على نصف هذه الثروة تقريباً. ولاحقاً عندما اعتنقت السياسة الاقتصادية السورية (الليبرالية الصادمة) مع مطلع الألفية، شاركت القطاع الخاص بأهم القطاعات السيادية، وأكثرها ربحاً، أي: في قطاع الاتصالات. وهذه الشراكة انتهت إلى الخصخصة، المموّهة بتعديل العقود في عام 2015، عندما كان من المفترض أن تعود موارد الشركات المشغّلة للمال العام بمجملها، وخسرت الموارد العامة 160 مليار ليرة بالحد الأدنى خلال ثلاث سنوات ماضية.
التشريعات السورية أيضاً جهّزت الأرضية لعملٍ مماثل في قطاع الكهرباء، حيث يسمح القانون السوري للمستثمرين بالدخول كمنتج وموزّع. ثم أتت التشريعات السورية خلال الأزمة، التي أتاحت تحويل أملاك أراضي الدولة لخدمة المستثمرين المشاركين مع الإدارات المحلية في شركات قابضة، كما في القانون رقم 10 لعام 2018.
هذا عدا ما سبق من (شراكات) مع أطراف إيرانية وشركات روسية خاصة في مقالع الفوسفات في المنطقة الشرقية، حصلت بموجبها المؤسسة العامة للجيولوجيا على نسبة 30% فقط لا غير، بعد أن كانت المالك والمنتج الوحيد لهذه الثروة العامة، بالشكل الذي يعود على المال العام نسبة 100% من عوائد هذا القطاع الهام.
كما أوضحت مراسلات مؤخراً بين وزارة النقل وإدارة مرفأ اللاذقية، أن الحكومة ستبدأ ببحث الإجراءات التفصيلية لتسليم إدارة وتشغيل محطة حاويات المرفأ إلى الطرف الإيراني كجزء من سداد الديون...

لماذا الشراكة خطر؟!

أمام هذه الوقائع التي تقول: أنه ما من خطوط حمر، في مساحات شراكة القطاع الخاص، لا بدَّ أن نستعرض ما الذي قد تعنيه شراكة كبار المستثمرين والممولين في القطاعات السيادية...
أولاً: إن شراكة أموال الأثرياء في قطاعات النفط والكهرباء والاتصالات والنقل العام، والمرافق الأساسية كالمرافئ، بل وربما المياه والخدمات العامة جميعها، تعني: أن هذه القطاعات ستعمل وفق منطق الربح الأقصى: أي: أقل تكاليف وأعلى أسعار. الأمر الذي يعني عدم حل مشاكل هذه القطاعات حلاً جدياً، وتخفيض كفاءتها، بسبب سياسة خفض التكاليف، ويعني أيضاً: إلغاء سياسة الدّعم المطبقة في هذه القطاعات، الأمر الذي ينعكس ارتفاعاً عاماً في مستوى أسعار الخدمات العامة.
وثانياً: إن هذه القطاعات السيادية، هي واحدة من أكثر القطاعات ربحاً، حيث إن تحويل الطاقة والمياه والنقل والاتصالات والإسكان إلى بضاعة يحصل المستثمرون على جزء أو كل مبيعها، هو مجال عمل وسوق واسعة ومضمونة. وهو يعني تحوّل الإنفاق الضروري على هذه الأساسيات، إلى موارد خاصة ومصدر ثراء.
أما ثالثاً: إن الذريعة في التوجه نحو الشراكة، هي قلة الموارد العامة، ولكن في الوقت ذاته فإن الشراكة في القطاعات الأساسية المذكورة، تعني حكماً تراجعاً إضافياً للموارد العامة... حيث أصبح للدولة شريك أو بديل يتقاضى حصة هامة من عوائد هذه القطاعات.
ورغم هذه المحاذير والنتائج التي يستطيع أي مراقب بسيط أن يستنتجها، فإن العملية تستمر وتتوسع، وتجد من يُسوّق لها المبررات والذرائع.

مبررات لضرورة الشراكة!

من جملة ما يُساق في تبرير مسألة الشراكة، هو عدم الثقة بإدارة الدولة، والحصة التي يحصل عليها الفساد من الدعم، ومن الخدمات، إضافة إلى ضعف الأداء. وكل ما سيق صحيح، فعملياً قدّر الباحثون السوريون بأن نسبة الهدر في المال العام المستثمر والمنفق تقارب 50% في جهاز الدولة قبل الأزمة، وتقارب 30% من عموم الناتج السوري. (راجع كتاب د. قدري جميل قضايا اقتصادية). ولكن هل الشراكة هل هي الحل لوقف هذا الهدر؟ على العكس... فإن عملية الشراكة هذه تعني تشريعاً لنسبة الهدر في المال العام، فالحصة التي سيأخذها الشركاء المستثمرون، قد تفوق الحصة التي كان يأخذها الفساد الكبير المهيمن على جهاز الدولة وإدارة الموارد العامة. وإن كان الفساد يتحكم بالموارد العامة من وراء ستار جهاز الدولة، فإنه اليوم وعبر الشراكة يسعى ليتحكم مباشرة وبوجهه الاستثماري الصريح بالموارد العامة. خاصة وأنَّ عقود الشراكة هذه تذهب لأصحاب السطوة والنفوذ من رجال الأعمال، المرتبطين بالفساد الكبير الذي يستخدم جهاز الدولة.
يُقال أيضاً: إن إعادة الخدمات، ورفع مستواها، يحتاج إلى موارد... وهذه الموارد لا يملكها جهاز الدولة. وهذا أيضاً صحيح، فجهاز الدولة لا يمكن أن يملك موارد طالما أنه موضع استثمار من الفساد الكبير. وطالما أنه لا يستطيع أن يجبي إلا من الأضعف اقتصادياً. ولكن شراكة من هذا النوع وفي هذا الظرف ستفاقم هذا الوضع، وتقلل عموم النشاط الاقتصادي وبالتالي الموارد العامة.

الأرضية السياسية للشراكة

لن تستطيع سورية بعد كل الدمار الذي حلّ بها أن تعيد إعمار البنى التحتية بمواردها فقط، وسنحتاج إلى حقنا بالتعويض والتمويل الدولي. وهو جزء من العملية السياسية الدولية المعنية باستقرار الوضع في سورية، وتسوية أزمتها... ولكن الاستعجال إلى عقد شراكات مجحفة مع حيتان المال السوريين، وفتح الباب للإقليميين. هو أشبه باستباق الظرف الأنسب سياسياً لتأهيل البنى التحتية، عبر تسليم مفاتيح دور جهاز الدولة لرجال المال والأعمال شركاء الفساد الكبير، بل وأزلامه. وهذه العملية لا يمكن أن تؤدي إلا إلى قطع أشواط في (تهتيك) بنية جهاز الدولة. الذي إن أصبح يعتمد في خدماته العامة الأساسية على رجال المال، فإنه يعني ارتهانه لهم، بما يفوق الوضع الحالي...
المرحلة الحالية هي مرحلة ما قبل التسويات السياسية، والتي ستحتاج سورية فيها إلى جهاز دولة قوي ومتماسك، هو الضمانة للوصول إلى تسوية تضمن وحدة البلاد، واستقرارها، وإعادة إعمارها فعلياً. أما ما تريده العقوبات الاقتصادية، والحرب الاقتصادية التي يعلنها الأمريكيون، فهو تحديداً الوصول إلى أعلى مستوى من (جهاز الدولة الهش)، الأمر الذي يسمح بحل سياسي غير مستقر ويبقي باب الفوضى مفتوحاً.
الأطراف الغربية تشدد الحصار الاقتصادي على جهاز الدولة، وتضغط على الموارد العامة، لتحصل من القوى المحلية على (ردة الفعل الليبرالية) المطلوبة: بيع مهمات جهاز الدولة لقوى السوق، القابلة للتفاوض والمحاصصة، والمرتبطة ارتباطاً عميقاً بالغرب. الأمر الذي يجعل أهم الأهداف السياسية- الاقتصادية في المرحلة الحالية: الحفاظ على جهاز الدولة وعلى دوره الاقتصادي الخدمي، وتهميش قوى المال التي تريد شراءه لزيادة ربحها ووزنها.

الحد الأدنى المطلوب اقتصادياً

إن هدف الحفاظ على تماسك دور جهاز الدولة، لا يتحقق إلّا بأن يقوم بدوره الفعال اقتصادياً، والمهمات الأساسية تتمثل في خطوات ضرورية للمرحلة الحالية:
مواجهة ضغط العقوبات، وذلك بالتعاقد الرسمي المعلن من دولة لدولة، مع الدول المستعدة لتجاوز العقوبات، بالأسعار العالمية ودون إتاوات ومزايا سياسية للوسطاء... وحتى إن ترتب على هذا التزامات محددة ومعلنة ينبغي دفعها مباشرة أو آجلاً. (فلا يعقل أن يتراكم الدَّين الإيراني ولا يُسدّد، بينما النفط والبضائع المستوردة بالدَّين يتم بيعها بالسوق للمواطنين السوريين)!
المهمة الأساسية اقتصادياً، هي تأمين تدفق الطاقة، وحل العرقلة التي تواجهها، وبالطرق المذكورة سابقاً، أي: بالتعاقد السياسي الدولي وتنفيذ الالتزامات، وإنهاء دور سماسرة شراء المحروقات بأسعار أعلى.
إن تعبئة الموارد العامة مهمة ممكنة، فالموارد العامة موجودة في السوق، والجباية من الأقوياء اقتصادياً هي بحدودها الدنيا، فالتهرب الضريبي يقارب 500 مليار ليرة، وممكن أيضاً أن تستعاد الموارد العامة، ممن استولوا عليها، عبر إعادة النظر بالشراكات التي عقدت، وزيادة حصة المال العام فيها.
من الضروري أيضاً توجيه المال العام المتوفّر، والمعبأ، للنشاط الإنتاجي والخدمي العام، عبر توسيع الإنفاق الاستثماري، وللنشاط الإنتاجي الخاص، عبر تحريك الإقراض الإنتاجي. لتتحول كل ليرة منفقة إلى دخل منتج إضافي.

الوقوف عكس التيار

قد تكون العناوين الأساسية في الخروج من حدة المأزق الاقتصادي، واضحة اقتصادياً، ولكنها حلول سياسية بامتياز. لأن الأسباب التي تمنع تطبيقها تكمن بالعمق في مصالح الشرائح العليا من رؤوس الأموال السورية المندمجة مع الفساد الكبير، المهيمن بدوره على السياسة الاقتصادية. ولكن هذه المرحلة، مرحلة الحرب الاقتصادية، كما يسميها الجميع... هي واحدة من المفاصل الخطيرة في الأزمة السورية، لأن قوى سياسية دولية ومحلية تريد تحويلها إلى فرصة أخيرة، للوصول إلى (الدولة الفاشلة)، واستلام كل مفاصل النفوذ الاقتصادي، وبالتالي السياسي. أمام هذه (المطامح) تقف الضرورة... فهؤلاء يغامرون بخسارة كل شيء، لأنهم يقفون من حيث يدرون أو لا يدرون، عكس التيار. ويراهنون في صفقة البيع هذه على الأموال الدولية، وعلى نجاح نموذج المحاصصة في الحل السياسي السوري... أي: يراهنون على نجاح نموذج الغرب السياسي، بينما الغرب يخسر معركة الفوضى التي أوقدها في المنطقة، وينسحب مثيراً زوبعة من القنابل الدخانية تعمي بصيرة المرتبطين به.

معلومات إضافية

العدد رقم:
906
آخر تعديل على الأربعاء, 27 آذار/مارس 2019 14:25